أصدقائي إن المعرَّف لايُعرّف والواضح لايوضّح والمُفسّر لايُفسر ومن دون مقدمات اخترت لكم هذا المقال للشيخ على الطنطاوي من مقالة بعنوان من غزل الفقهاء وأقدم الجزء الثاني في مقال لاحق إن شاء الله ((قال لي شيخ من المشايخ المتزمتين، وقد سقط إليه عدد من الرسالة، فيه مقالة لي في الحب. مالك والحب، وأنت شيخ وأنت قاض، وليس يليق بالشيوخ والقضاة أن يتكلموا في الحب، أو يعرضوا للغزل؟! إنما يليق ذلك بالشعراء، وقد نزه الله نبيّه عن الشعر، وترفع العلماء وهم ورثة الأنبياء عنه، وصرح الشافعي أنه يزري بهم، ولولا ذلك كان أشعر من لبيد. فضحكت، وقلت له. أما قمت مرة في السحر، فأحسست نسيم الليل الناعش، وسكونه الناطق... وجماله الفاتن، فشعرت بعاطفة لا عهد لك بمثلها، ولا طاقة لك على وصفها؟ أما سمعت مرة في صفاء الليل نغمة عذبة، من مغنّ حاذق قد خرجت من قلبه، فهزّت منك وتر القلب، ومسّت حبّة الفؤاد؟ أما خلوت مرة بنفسك تفكر في الماضي فتذكر أفراحه وأتراحه، وإخوانا كانوا زينة الحياة فطواهم الثرى، وعهدا كان ربيع العمر فتصرم الربيع، فوجدت فراغا في نفسك، فتلفت تفتش عن هذا الماضي الذي ذهب ولن يعود؟ أما قرأت مرة قصة من قصص الحب، أو خبراً من أخبار البطولة فأحسست بمثل النار تمشي في أعصابك، وبمثل جناح الطير يخفق في صدرك؟ أما رأيت في الحياة مشاهد البؤس؟ أما أبصرت في الكون روائع الجمال؟ فمن هو الذي يصور مشاعرك هذه؟ من الذي يصف لذائذك النفسية وآلامك، وبؤسك ونعماءك؟ لن يصورها اللغويون ولا الفقهاء ولا المحدثون، ولا الأطباء ولا المهندسون. كل أولئك يعيشون مع الجسد والعقل، محبوسين في معقلهما، لا يسرحون في فضاء الأحلام، ولا يوغلون في أودية القلب، ولا يلجون عالم النفس... فمن هم أهل القلوب؟ إنهم الشعراء يا سيدي، وذلك هو الشعر!ـ إن البشر يكدّون ويسعون، ويسيرون في صحراء الحياة، وقيد نواظرهم كواكب ثلاثة، هي هدفهم وإليها المسير، ومنها الهدي وهي السراج المنير، وهي الحقيقة والخير والجمال، وإن كوكب الجمال أزهاها وأبهاها، إن خفي صاحباه عن بعض الناس فما يخفى على أحد، وإن قصرت عن دركهما عيون فهو ملء كل عين، والجمال بعد أسّ الحقائق وأصل الفضائل، فلولا جمال الحقيقة ما طلبها العلماء، ولولا جمال الخير ما دعا إليه المصلحون. وهل ينازع في تفضيل الجمال إنسان؟ هل في الدنيا من يؤثر الدمنة المقفرة على الجنة المزهرة؟ والعجوز الشوهاء على الصبية الحسناء؟ والأسمال البالية على الحلل الغالية؟ فكيف يكون فيها من يكره الشعر (أعني الشعر الحق، الذي يجمع سمو المعنى، وموسيقى اللفظ، لا هذا الهذيان الذي نقرؤه الآن -الذي يدعونه الشعر الحديث- شعر الحدأثة أي الحدث الأكبر الذي لا يتطهر منه صاحبه إلا بالغسل)، وهو جمال القول، وفتنة الكلام؟ وهو لغة القلب فمن لم يفهمه لم يكن من ذوي القلوب. وهو صورة النفس، فمن لم يجد فيه صورته لم يكن إلا جماداً. وهو حديث الذكريات والآمال، فمن لم يذكر ماضيا، ولم يرج مستقبلا، ولم يعرف من نفسه لذة ولا ألما، فليس بإنسان. ومن قال لك يا سيدي إن الله نزه نبيه صلى الله عليه وسلم عن الشعر لأن الشعر قبيح؟ إنما نفى عنه أن يكون شاعرا كمن عرف العرب من الشعراء ورد عليهم قولهم: "إنه شاعر" لأن الشاعر يأتيه الوحي من داخل نفسه، والنبي يجيئه من السماء، وهذا الذي لم تدركه العرب، فقالوا قولتهم التي ردها الله عليهم!.ـ وأين وجدت حرمة الشعر، أو مذمته من حيث هو كلام جميل، يصف شعورا نبيلا؟ إنما يقبح إذا اشتمل على الباطل، كما يقبح كل كلام يشتمل عليه.ـ ومن أين عرفت أن العلماء قد ترفعوا عنه، والكتب مملوءة بالجيد من أشعارهم، في الحب والغزل ووصف النساء؟ أو ما سمعت بأن النبي صلى الله عليه وسلم أصغى إلى كعب وهو يهدر في قصيدته التي يتغزل فيها بسعاد… ويصفها بما لو ألقي عليك مثله لتورّعت عن سماعه… وتصاممت عنه ، وحسبت أن التقى يمنعك منه وذهبت تلوم عليه، وتنصح بالإقلاع عن قائله...ـ وما سعاد غدة البين إذ برزت كأنها منهل بالـراح معلـول هيفـاء مقبلة عجـــــزاء مدبرة لا يشتكي قصر منها ولا طول وأن عمر كان يتمثّل بما تكره أنت.. من الشعر، وأن ابن عباس كان يصغي إلى إمام الغزلين عمر بن أبي ربيعة، ويروي شعره؟ وأن الحسن البصري كان يستشهد في مجلس وعظه، بقول الشاعر:ـ اليوم عندك دلها وحديثها * * * وغدا لغيرك كفها والمعصم وأن سعيد بن المسيب سمع مغنيا يغني:ـ تضوع مسكا بطن نعمان إن مشت * به زينب في نسوة خفرات فضرب برجله وقال: هذا والله مما يلذ استماعه، ثم قال:ـ وليست كأخرى أوسعت جيب درعها وأبدت بنـان الكف للجمـرات وعالت فتات المسد وخفـاً مرجّـلا * * * على مثل بدر لاح في الظلمات وقامت تراءى يـوم جمـع فأفتنت * * * برؤيتها من راح من عرفـات فكانوا يرون هذا الشعر لسعيد بن المسيب!.ـ وما لي أدور وأسوق لك الأخبار، وعندنا شعراء كان شعرهم أرق من النسيم إذا أسرى، وأصفى من شعاع القمر، وأعذب من ماء الوصال، وهم كانوا أئمة الدين وأعلام الهدى.ـ هذا عروة بن أذينة الفقيه المحدث شيخ الإمام مالك يقول:ـ إن التي زعمـت فـؤادك ملــها * خلقت هواك كما خلقت هوى لها فبك الذي زعمـت بها وكلاكما * يبدي لصاحبه الصبــــــابـة كلها ويبيت بين جوانحي حـبٌّ لهـا * لو كان تحـت فراشهــــا لأقلها ولعمرها لو كان حبـك فوقها * يوماً وقد ضحيـــت إذن لأظلهـا وإذا وجدت لها وساوس سلـوة * شفع الفؤاد إلى الضمـــير فسلها بيضاء باكرها النعيـم فصاغهــا * بلبـاقـة فـأدقهـا وأجلهــــــــا منعـت تحيتها فقلـت لصاحبي * ما كان أكثـرها لنـا وأقلهـــــا! فدنا فقـال ، لعلهـا معـذورة * * * من أجل رقبتها، فقلت : لعلها هذه الأبيات التي بلغ من إعجاب الناس بها أن أبا السائب المخزومي لما سمعها حلف أنه لا يأكل بها طعاما إلى الليل!.ـ وهو القائل، وهذا من أروع الشعر وأحلاه، وهذا شعر شاعر لم ينطق بالشعر تقليدا، وإنما قال عن شعور، ونطق عن حب، فما يخفى كلام المحبين:ـ قالت ( وأبثثتها وجدي فبحت به ): * قد كنت عندي تحب الستر، فاستتر ألست تبصر من حولي؟ فقلت لها: * * * غطى هواك وما ألقى على بصري هذا الشاعر الفقيه الذي أوقد الحب في قلبه نارا لا يطفئها إلا الوصال:ـ إذا وجدت أوار الحب في كبدي * * * عمدت نحو سقاء الماء أبترد هبني بردت ببرد الماء ظاهره * * * فمن لحر على الأحشاء يتّقد!؟ وهذا عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، أحد فقهاء المدينة السبعة الذين انتهى إليهم العلم، وكان عمر بن عبد العزيز يقول في خلافته: لمجلس من عبيد الله لو كان حيا، أحب إلي من الدنيا وما فيها. وإني لأشتري ليلة من ليالي عبيد الله بألف دينار من بيت المال، فقالوا: يا أمير المؤمنين، تقول هذا مع شدة تحريك وشدة تحفظك؟ قال: أين يذهب بكم؟ والله إني لأعود برأيه ونصيحته ومشورته على بيت المال بألوف وألوف. وكان الزهري يقول: سمعت من العلم شيئا كثيرا، فظننت أني اكتفيت حتى لقيت عبيد الله فإذا كأني ليس في يدي شيء!.ـ وهو مع ذلك الشاعر الغزل الذي يقول:ـ شققت القلب ثم ذررت فيـه * * * هواك فليم فالتمام الفطور تغلغل حب عشمة في فؤادي * * * فباديه مع الخافي يسيـر تغلغل حيث لم يبلغ شـراب * * * ولا حزن ولم يبلغ سرور أفسمعت بأعمق من هذا الحب وأعلق منه بالقلب؟ ولم يكن يخفي ما في قلبه، بل كان إذا لقيه ابن المسيب فسأله: أأنت الفقيه الشاعر؟ يقول: "لا بد للمصدور من أن ينفث" فلا ينكر عليه ابن المسيب. وهو القائل:ـ كتمت الهوى حتى أضر بك الكتم * * * ولامـك أقـوام ولومهـم ظلـم ونمّ عليـك الكاشحون و قبلهـم * * * عليك الهـوى قد نم لو نفع النم وزادك إغـراء بها طـول بخلها * * * عليك وأبلى لحم أعظمك الهـم فأصبحت كالنهدي إذ مات حسرة * * * على إثر هند أو كمن سقي السم ألا من لنفس لا تمـوت فينقضي * * * شقاها ولا تحيا حياة لها طعـم تجنبـت إتيـان الحبيـب تأثمـا * * * ألا إن هجران الحبيب هو الإثـم فـذق هجـرها إن كنت تزعم أنه * * * رشاد ألا يا ربما كذب الزعـم ألا إن هذا هو الشعر!.ـ))
صارحني أحد طلابي السابقين وزملائي الحاليين من أشهر قائلاً: كنت أُعيب عليك أسلوبك في التعامل مع الطلاب عندما كنت تدرسنا في المرحلة الثانوية وأسررت ذلك ولكن لما كبرت وأصبحت مدرساً قال :وقع في يدي كتاب للأديب الكبير والفقيه المتميز على الطنطاوي فقرأته وهو بعنوان ذكريات علي الطنطاوي قال وتحدث عن أسلوبه في التدريس فقال فشعرت أوجه شبه كبيرة بينك وبينه. قلت له عشقته صغيراً أنتظر موعد برنامجه الإذاعي ولم أبلغ الحلم ألتصق بالمذياع مصغياً لأحاديثه الجميلة الماتعة الشائقة وأثرَّ في تكوين شخصيتي كثيراً ولما كبرت قرأت له كتبا كثيرة منها كتاب اسمه صور وخواطر قرأته مرات ومرات وقرأه أكثر أصدقائي واخترت لكم هذه القصة من كتاب صور وخواطر للأديب علي الطنطاوي رحمه الله أعرابي في حمام صحبنا في رحلتنا إلى الحجاز، دليل شيخ من أعراب نجد يقال له صلَبى ما رأيت أعرابياً مثله قوةَ جَنَان، وفصاحة لسان، وشدة بيان ولولا مكان النبرة البدوية لحسبته قد انصرف الساعة من سوق عكاظ، لبيان لهجته، وقوة عارضته، وكثرة ما يدور على لسانه من فصيح الكلام. وكان أبيّ النفس، أشمّ المعطس، كريم الطباع، لكن فيه لوثة وجفاء من جفاء الأعراب، رافقنا أيام طويلة، فما شئنا خلة من خلال الخير إلا وجدناها فيه، فكان يواسينا إذا أصبنا، ويؤثرنا إذا أَضَقنا، ويدفع عنا إذا هوجمنا، ويفديّنا إذا تألمنا، على شجاعة نادرة، ونكتة حاضرة، وخفة روح، وسرعة جواب، قلنا له مرة: - إن (صْلَبة) في عرب اليوم، كباهلة في عرب الأمس، قبيلة لئيمة يأنف الكرام من الانتساب إليها، وأنت فيما علمنا سيّد كريم من سادة كرام، وليس لك في هذه القبيلة نسب؟ فما لك تدعى صلبى. فضحك وقال: - صدقتم والله، ما أنا من صلبة، ولا صلبة مني، وإني لكريم العم والخال ولكنّ هذا الاسم نكتة أنا مخبركم بها. قلنا: هات. قال: - كان أبواي لا يعيش لهما ولد، فلما ولدت خشيا عليّ فسمياني صْلَبى. قلنا: ائن سمياك صْلَبى عشت؟ قال: إن عزرائيل أكرم من أن يقبض روح صْلَبى. وسألناه مرة: هل أنت متزوج يا صْلَبى؟ قال: - لقد كنت متزوجاً بشرّ امرأة تزوجها رجل، فما زلت أحسن إليها وتسيء إليّ، حتى ضقت باحتمالها ذرعاً فطلقتها ثلاثاً وثلاثين. قلنا: إنها تبين منك بثلاث، فعلام الثلاثون؟ فقال على الفور: صدقة مني على الأزواج المساكين! وطال بنا الطريق إلى تبوك، وملّ القوم، فجعلوا يسألونه عن تبوك، ويكثرون عليه، يتذمرون من بعدها، حتى إذا كثروا قال لهم: ما لكم تلومونني على بعدها؟ والله لم أكن أنا الذي وضعها هناك. ولم يكن صْلَبي يعرف المدن، ولم يفارق الصحراء قط إلا إلى حاضرته تبوك (وتبوك لا تزيد عن خمسين بيتاً...) فلما بلغنا مشارف الشام أغريناه بالإبلاد ودخول المدينة، وجعلنا نصف إليه الشام، ونشوّقه فيأبى، وكنت صفّيه من القوم وخليله ونجيّه فجعلت أحاولره وأداوره، وبذلت في ذلك الجهد فلم أصنع معه شيئاً لما استقر في نفسه من كراهية المدن وإساءة الظن بأهلها، وكان عربياً حراً، ومسلماً موحداً، لا يطيق أن يعيش يوماً تحت حكم (الروم) أو يرى مرة مظاهر الشرك... فودعناه وتركناه... وعدت إلى دمشق، فانغمست في الحياة، وغصت في حمايتها أكدّ للعيش، وأسعى للكسب، فنسيت صلَبى وصُحبته، وكدت أنسى الصحراء وأيامها، ومرّت على ذلك شهور... وكان أمس فإذا بي ألمح في باب الجابية وسط الزحمة الهائلة، وجهاً أعرفه فلحقت به أتبيّنه فإذا هو وجه صْلَبى، فصحت به: - صْلَبى! قال: - لا صْلَبى ولا مْلَبى. قلت: ولم ويحك؟ قال: أنا في طلبك منذ ثلاث ثم لا تأتي إليّ ولا تلقاني؟ فقلت له ضاحكاً: - وأي ثلاث وأي أربع؟ أتحسبها تبوك فيها أربعمائة نسمة؟ إنها دمشق يا صْلَبي، فيها أربعمائة ألف إنسان، فأين تلقاني بين أربعمائة ألف؟ قال: - صدقت والله. قلت: هلم معي. فاستخرجته من هذه الزحمة الهائلة، وملت به إلى قهوة خالية، فجلسنا بها ودعوت له بالقهوة المرة والشاهي، فسرّ، وانطلق يحدثني قال: - لمّا فارقتكم ورجعت وحيداً، أسير بجملي في هذه البادية الواسعة، جعلت نفسي تحدثني أن لو أجبت القوم ورأيت المدينة... فلما كان رمضان مرّ بنا بعض الحضريين فدعوني إلى صحبتهم لأرشدهم الطريق، ثم أغروني كما أغريتموني، وحاوروني كما حاورتموني حتى غلبوني على أمري ودخلوا بي دمشق، فما راعني والله يا ابن أخي إلا سيارة كبيرة كسيارتكم هذه، لكنها أهول وأضخم، لها نوافذ وفيها غرف، وقد خطوا لها خطين من حديد فهي تمشي عليهما، فأدخلوني إليها، فخشيت والله وأبيت، فأقسموا لي وطمأنوني، فدخلت ويدي على خنجري إن رأيت من أحد شيئا أكره وجأته به، وعيني على النافذة إن رابني من السيارة أمر قفزت إلى الطريق، وجلست، فما راعنا إلا رجل بثياب عجيبة قد انشق إزاره شقاً منكراً، ثم التف على فخذيه فبدا كأنما هو بسراويل من غير إزار، وعمد إلى ردائه فصف في صدره مرايا صغيره من النحاس، ما رأيت أعجب منها، فعلمت أنه مجنون وخفت أن يؤذينا، فوضعت كفي على قبضة الخنجر، فابتسم صاحبي وقال: هو الجابي. قلت: جابي ماذا، جبّ الله (...)! قال: اسكت، إنه جابي (الترام) أعني هذه السيارة. ثم مدّ يده بقرشين اثنين، أعطاه بها فتاتة ورق، فما رأيت والله صفقة أخسر منها، وعجبت من بلاهة هذا الرجل إذ يشتري بقرشين ورقتين لا تنفعان وجلست لا أنبس، فلم تكن إلا هنَيّة حتى جاء رجل كالأول له هيئة قِزْدية ألا أنه أجمل ثياباً، وأحسن بزّة، فأخذ هذه الأوراق فمزقها، فثارت ثائرتي، قلت: هذا والله الذل، فقّبح الله من يقيم على الذل والخسيفة، وقمت إليه فلبّبته وقلت له: - يا اين الصانعة، أتعمد إلى شيء اشتريناه بأموالنا، ودفعنا به قروشنا فتمزقه، لأمزّقن عمرك. وحسبت صاحبي سيدركه من الغصب لكرامته، والدفاع عن حقه مثل ما أدركني فإذا هو يضحك، ويضحك الناس ويعجبون من فعلي، لأن عمل هذا الرجل -فيما زعموا- تمزيق أوراق الناس التي اشتروها بأموالهم... ولما نزلنا من هذه الآفة، قال لي صاحبي: هلّم إلى الحمام. فقلت: وما الحمام يا ابن أخي؟ قال: تغتسل وتلقي عنك وعثاء السفر. قلت: إن كان هذا هو الحمام، فما لي فيه من مأرب، حسبي هذا النهر أغطس فيه فأغتسل وأتنظف. قال: هيهات... إن الحمام لا يعدله شيء، أو ما سمعت أن الحمام نعيم الدنيا؟ قلت: لا والله ما سمعت. قال: إذن فاسمع ورَهْ. وأخذني فأدخلني داراً قوراء في وسطها بركة عليها نوافير يتدفق منها الماء، فيذهب صعداً كأنه عمود من البلور ثم يتثنى ويتكسر ويهبط كأنه الألماس، له بريق يخطف الأبصار، صنعة ما حسبت أن يكون مثلها إلا في الجنان، وعلى أطراف الدار دكك كثيرة، مفروشة بالأسرة والمتكآت والزرابيّ كأنها خباء الأمير، فلم نكد نتوسطها حتى وقثب إلينا أهلوها وثبة رجل واحد، يصيحون علينا صياحاً غريباً، فأدركت أنها مكيدة مدبرة، وأنهم يريدون اغتيالي، فانتضيت خنجري وقلت: والله لا يدنو مني أحد إلا قطعت رقبته، فأحجموا وعجبوا ورعبوا، وغضب صاحبي وظنني أمزح، ومال عليّ يعاتبني عتاباً شديداً. فقلت له: ويحك أو ما تراهم قد أحاطوا بنا؟ قال: إنهم يرحبون بنا ويسلمون علينا. فسكت ودخلت. وعادوا إلى حركتهم يضحكون من هذا المزاح، ويدورون حولنا بقباقيبهم العالية، ويجيئون ويذهبون، وأنا لا أدري ما هم صانعون حتى قادونا إلى دكة من هذه الدكك، وجاءوا ينزعون ثيابنا فتحققت أنها المكيدة، وأنهم سيسلبونني خنجري حتى يهون عليهم قتلي، فقد عجزوا أن يقاتلوني وبيدي الخنجر، فأبيت وهممت بالخروج ولكن صاحبي ألحّ عليّ وأقسم لي، فأجبت واستسلمت وإن روحي لتزهق حزناً على إني ذللت هذا الذل حتى أسلمتهم سَلَبي يسلبونني وأنا حي. ولو كنت في البادية لأريتهم كيف يكون القتال... حتى إذا تمّ أمر الله ولم يبق عليّ شيء، قلت: أما من مسلم؟ أما من عربي؟ أتكشف العورات في هذا البلد فلا يغار أحد، ولا يغضب إنسان؟ فهدّأ صاحبي من ثورتي وقال: أفتغتسل وأنت متزر؟ قلت: فكيف أتكشف بعد هذه الشيبة وتذهب عني في العرب فتكون فضيحتي إلى الأبد؟ قال: من أنبأك أنك ستتكشف؟ هلا انتظرت! فانتظرت وسكت فإذا غلام من أغلمة الحمام، يأخذ بيده إزاراً فيحجبني به حتى أنزع أزراري وأتزرّ به، فحمدت الله على النجاة، وكان صاحبي قد تعرى فأخذ بيدي وأدخلني إلى باطن الحمام، فإذا غرف وسطها غرف، وساحات تفضي إلى ساحات، ومداخل ومخارج ملتفّة متلوية، يضّل فيها الخرّيت وهي مظلمة كأنها قبر قد انعقدت فوقها قباب وعقود، فيها قوارير من زجاج تضيء كأنها النجوم اللوامع، في السماء الداجية، وفي باطن الحمام أناس عري جالسون إلى قدور من الصخر فيها ماء، فتعوذت بالله من الشيطان الرجيم، وقلت هذه والله دار الشياطين وجعلت ألتمس آية الكرسي فلا أذكر منها شيئاً، فأيقنت أنها ستركبني الشياطين لما نسيت من آية الكرسي، وجعلت أبكي على شيبتي أن يختم لها هذه الخاتمة السيئة، وإني لكذلك، وإذا بالخبيث يعود إليّ يريد أن ينزع هذا الإزار الذي كسانيه، فصحت به: يا رجل، اتق الله، سلبتني ثيابي وسلاحي، وعدت تجردني وتعريني، الرحمة يا مسلمون، الشفقة أيها الناس! فوثب إليّ الناس، وأحدقوا بي، وجعلوا يضحكون، فقال صاحبي: - ما هذا يا صْلَبى، لا تضحك الناس علينا، أعطه الإزار. قلت: وأبقى عرياناً؟ قال: لا، ستأخذ غيره، هذا كساء يفسد إذا مسه الماء، وإن للماء كساء آخر. ونظرت فإذا عليه هيئة الناصح، وإذا هو يدفع إليّ إزاراً آخر، فاستبدلته به مكرهاً وتبعت صاحبي إلى مقصورة من هذه المقاصير، فجلسنا علا قدر من هذه القدور... وأنا أستجير بالله لا أدري ماذا يجري عليّ، فبينما أنا كذلك وإذا برجل عار، كأنه قفص عظام، له لحية كثة، وشكل مخيف وقد تأبط ليفاً غليظاً يا شرّ ما تأبط، وحمل ماعوناً كبيراً، يفور فوراناً، فاسترجعت وعلمت أنه السمّ وأنه سيتناثر منه لحمي، فقصد إليّ، فجعلت أفرّ منه وأتوثب من جانب إلى جانب وهو يلحقني ويعجب من فعلي، ويظن أني أداعبه، وصاحبي يضحك ويقسم لي أنه الصابون، وأنه لا ينظف شيء مثله. قلت: ألا شيء من سدر! ألا قليل من أشنان؟ قال: والله ما أغشك، فجرب هذا إنه خير منه. فاستجبت واستكنت، وأقبل الرجل يدلكني دلكاً شديداً وأنا أنظر هل تساقط لحمي، هل تناثر جلدي، فلا أجد إلا خيراً فأزمعت شكره لولا أني وجدته يتغفلني فيمد يده تحت الإزار إلى فخذي، فيدلكه ويقرصه، فقلت هذا ماجن خبيث، ولو ترك من شره أحد لتركني، ولصرفته عني شيبتي، وهممت بهشم أنفه وهتم أسنانه، ولحظ ذلك صاحبي فهمس في أذني أنه ينظفك وكذلك يصنع مع الناس كلهم، فلما انتهى وصب عليّ الماء، شعرت والله كأنما نشطت من عقال، وأحسست الزهو والخفة، فصحت فأنكرت صوتي فقلت: ما هذا، أينطق لساني مغنٍ من الجن؟ وأعدت الصيحة فازددت لصوتي إنكاراً. واستخفني الطرب، فجعلت أغني وأحدو، فقال صاحبي: لعلك استطبت صوتك؟ قلت: أي والله. قال: أفأدلك على باب القاضي؟ قلت: وما أصنع في باب القاضي؟ قال: ألا تعرف قصة جحا؟ قلت: لا والله، ما أعرف جحا ولا قصته. قال: كان جحا عالماً نحريراً، وأستاذاً كبيراً، لكن كان فيه فضائل نادرة، وكان خفيف الروح، فدخل الحمام مرة فغنى فأعجبه صوته -وكان أقبح رجل صوتاً- وراقه حسنه، فخرج من فوره إلى القاضي، فسأله أن ينصبه مؤذناً وزعم أن له صوتاً لا يدخل أذناً إلاّ حمل صاحبها حملاً فوضعه في المسجد... فقال القاضي: اصعد المنارة فأذن نسمع. فلما صعد فأذّن، لم يبق في المسجد رجل إلا فر هارباً. فقال له القاضي: أي صوت هذا، هذا الصوت الذي ذكره ربنا في الكتاب: قال: أصلح الله القاضي، ما يمنعك أن تبني لي فوق المئذنة حماماً؟!.. ولمح الأعرابي صديقاً له من أعراب نجد، قد مرّ من أمام القهوة، فقطع عليّ الحديث وخرج مهرولاً يلحق به.
فرعون تاب وصاحبنا لم يتب الذي جعلني أكتب هذا أني قرأت في إحدى المدونات لمدون وهو على فراش الموت ويصارع الموت (وأقول للجميع لست نادما على كل حرف خططته لمحاربة فساد أو جهل وعلينا أن نعرف أن الكتابة مسؤلية وأن تغييب الشعوب لهو أكبر مصيبة في واقعنا ) بالطبع هو لم يكن يحارب الفساد الأخلاقي والعري الذي لوث البيئة الأخلاقية ولم يكن يحارب الاستبداد الذي يقمع صوت كل حر وشريف بل لم أجد له مقالاً إلا وفيه طعن بالدين أو لمزا أو غمزا قلت في نفسي أ هو غرور الإنسان أم أن الشيطان يزين للإنسان سوء عمله لكن الغريب أن القرآن يحدثنا عن أكبر طاغية عرفته البشرية أهلك الحرث والنسل وقال أنا ربكم الأعلى ولكن عندما أدركه الغرق تاب ولكن في لحظة لا ينفع فيها الندم وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ياالله هل وصلَ المسلم لدرجة تجاوز فيها فرعون؟ أم أن في نفس كل واحد ألف فرعون؟ ماجو ابنا عندما نقف بين يدي ربنا وخالقنا؟ يوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ وهذا حال فرعون فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ

فرعون
(29) تعليقات
الزواج الناجح والذي يؤتي أكله يعتمد على أسس إذا روعيت أينعت ثماره وطاب جنيه المحبة المتبادلة بين الزوجين الشعور بالمسؤولية التعاون على طاعة الله وكذلك هموم الحياة المحبة وهي روح الحياة الزوجية وهواؤها العليل بدونها ينقلب البيت إلى فندق ومطعم .فالزوج يحب زوجه ويقدرها ويلاطفها ويلاعبها . لقد كان النبي eمتميزا في حب زوجاته فها هو يذكر خديجة رضي الله عنها بعد موتها ويحن لذكراها ويحترم صديقاتها وكذلك نرى لطفه مع عائشة حتى انه مرة أجرى معها سباقا فسبقته وبعد مدة سابقها فسبقها فقال هذه بتلك وكما يسمى بلغتنا تعادل والمرأة تبادل زوجها المحبة وتراه خير الناس وتحافظ على عرضه وماله وتراعي مشاعره مر النبي في طريق وهو يركب ناقته فوجد أسماء وهي متعبة فأراد أن يحملها فأناخ الناقة فلم تركب فلما سألها قالت تذكرت غيرة الزبير وهو زوجها الزبير بن العوام ولمات مات أبو سلمة رضي الله عنه قالت أم سلمة علمنا الرسولe دعاءاً ماقاله مصاب إلا أعطاه الله إياه " اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيرا منها " فلما مات أبو سلمة دعوت به وأنا على ثقة أن الله سيستجيب لكن لم أر في الرجال مثل أبي سلمة حتى يكون من هو خير منه , فلما دعت تزوجها رسول الله eولم يكن يخطر ببالها ذلك الشعور بالمسؤولية تجاه بعضهما ]يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة[ كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته التعاون في جميع المجالات في العبادة في أن يتعاونا على تحقيق طاعة الله كانت أسماء وهي بنت اكبر غني في عصرها تعين زوجها وتجمع نوى التمر وتدقه لتطعمه فرس الزبير ولم تتعالى فأنجبت خيرة الناس عبد الله بن الزبير ومصعب بن الزبير وعروة بن الزبير إخوتي هذه بعض مقومات الناجح ونحن نقوم بها في الأرض فتأتينا المباركة من السماء ] ومن آياته أن جعل لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها وجعل بينكم مودة ورحمة[ والزوج في العربية يقصد به الذكر والأنثى فنقول علي بن أبي طالب زوج فاطمة عليهما السلام وفاطمة زوج علي أما كلمة زوجة فهي صحيحة في اللغة ولكنها غير فصيحة قال الله تعالى ]ياآدم اسكن أنت وزوجك الجنة [
من جد وجد ومن زرع حصد لم أُكمل عامي الأول وبحمد الله آتت مدونتي أُكلها وتم اختيارها لبرنامج صوت مدون في إذاعة إسلام أون لاين هذا النجاح أهديه أولا لزوجتي العزيزة والتي تقف وراء كل نجاح بعد دعاء الوالدين وتوفيق الله أولاً وأخراً ثم أهديه لأصدقائي في الموقع الذين بهم نسموا ولهم نكتب والحقيقة هي ثمرة يانعة من ثمار موقعنا الحبيب جيران الذي استضافنا وقدم لنا الكثير ونمت فيه مدونات جميلة تم اختيارها وعرضها من قبل وأذكر على سبيل المثال لا الحصر مدونة الأخت اشتياق والأخت سعاد من فلسطينناالغالية التي هي في قلوبنا أعادها الله وسبقني الأخ أحمد الزعل السلوم من بلدي الحبيب سوريا حفظها الله سوريا العروبة أبقاها الله شامخة الرأس والجبين وأبقاها عزاً للأمة وقلعة صامدة في وجه الأعادي وإليكم الرابط لسماعها http://www.islamonline.net/Arabic/Broadcast/Radio/programs/topic_04/2008-08/01.shtml
*** قالت الحكما ء *** قال رجل للحسن البصري : قد خطب ابنتي جماعه فمن أزوجها ؟ قال ممن يتق الله , فإن أحبها أكرمها وإن أبغضها لم يظلمها0 *** قال لقمان لأبنه ثلاثة لا يعرفون إلا في ثلاثة مواطن0 لا يعرف الحليم إلا عند الغضب ولا الشجاع إلا في الحرب , إذا لقي الأقران ولا أخاك إلا عند حاجتك إلــــيه *** قال عبد الله بن المقفع :- أكتبوا أحسن ما تسمعون واحفظوا أحسن ما تكتبون وتحدثوا بأحسن ما تسمعون0 *** إن من علامات النفاق: أن يحب المرء المدح بما ليس فيه ويكره الذم بما فيه ويبغض من يبصره بعيوبه0 لا يكون الصديق صديقاََ حتى يحفظ عن أخيه ثلاث غيبته ونكبته ووفاته . *** قيل لأحد الحكماء أي أولادك أحب إليك ؟ قال:صغيرهم حتى يكبر ومريضهم حتى يبرأ وغائبهم حتى يحضر0 *** أربعه تؤدي إلى أربعه الصمت إلى السلامة والبر إلى الكرامة والجود إلى السيادة والشكر إلى الزياده0 *** قال بعض الحكماء إذا رأيت من أخيك عيباََ فإن كتمته عنه فقد خنته وإذا قلته لغيره فقد اغتبته وإن واجهته به أوحشته فقيل كيف نصنع ؟ فقال: تكنّى عنه وتعرّض به في جمله الحديث0 أربعة تؤدي إلى أربعة العقل للرئاسة والرأي للسياسة والعلم إلى التصدير والحلم إلى التوقير *** قال عمر بن عبد العزيز الأمور ثلاثة: أمر استبان خيره فأتبعه وأمر استبان شره فأجتنبه وأمر أشكل عليك فرده إلى الله *** وقال عمر بن عبد العزيز لجلسائه أخبروني من أحمق الناس ؟ قالوا: رجل باع آخرته بد نياه فقال لهم عمر: ألا أخبركم بأحمق منه قالوا : بلى قال: رجل باع أخرته بدنيا غيره *** قال لقمان لابنه يا بني إن الناس ثلاث أثلاث ثلث لله وثلث لنفسه وثلث للدود فأما ما هو لله فروحه وأما ما هو لنفسه فعمله وأما ما هو للدود فجسمه
<<الصفحة الرئيسية









