واحة الإيمان والنور
إذا أردت أن تحلّق مع الصقور فلا تضيع وقتك مع الدجاج

الحزنُ ليس مطلوباً شرعاً

الحزنُ ليس مطلوباً شرعاً ، ولا مقصوداً أصلاً

 

فالحزنُ منهيٌّ عنهُ قوله تعالى : ﴿ وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا . وقولِه : ﴿ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ في غيْرِ موضعٍ . وقوله : ﴿ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللّهَ مَعَنَا . والمنفيُّ كقوله : ﴿ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ . فالحزنُ خمودٌ لجذْوَةِ الطلبِ ، وهُمودٌ لروحِ الهمَّةِ ، وبرودٌ في النفسِ ، وهو حُمَّى تشلُّ جسْمَ الحياةِ .

 

وسرُّ ذلك : أن الحزن مُوَقِّفٌ غير مُسَيّر ، ولا مصلحة فيه للقلب ، وأحبُّ شيءٍ إلى الشيطان : أن يُحْزِن العبد ليقطعهُ عن سيرِه ، ويوقفه عن سلوكِه ، قال الله تعالى :﴿ إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا . ونهى النبيُّ r : (( أن يَتَناجَى اثنانِ منهم دون الثالثِ ، لأن ذلك يُحْزِنُه )) . وحُزْنُ المؤمنِ غيْرُ مطلوبٍ ولا مرغوبٍ فيه لأنَّهُ من الأذى الذي يصيبُ النفس ، وقد ومغالبتُه بالوسائلِ المشروعةِ .

 

فالحزنُ ليس بمطلوبٍ ، ولا مقصودٍ ، ولا فيه فائدةٌ ، وقدِ استعاذ منه النبيُّ r فقال : (( اللهمَّ إني أعوذُ بك من الهمِّ والحزنِ )) فهو قرينُ الهمِّ ، والفرْقُ ، وإنّ كان لما مضى أورثه الحُزْنَ ، وكلاهما مضعِفٌ للقلبِ عن السيرِ ، مُفتِّرٌ للعزمِ .

 

والحزنُ تكديرٌ للحياةِ وتنغيصٌ للعيشِ ، وهو مصلٌ سامٌّ للروحِ ، يورثُها الفتور والنكَّدَ والحيْرَة ، ويصيبُها بوجومٍ قاتمٍ متذبِّلٍ أمام الجمالِ ، فتهوي عند الحُسْنِ ، وتنطفئُ عند مباهج الحياةِ ، فتحتسي كأسَ الشؤم والحسرةِ والألمِ .

 

ولكنَّ نزول منزلتِهِ ضروريٌ بحسبِ الواقعِ ، ولهذا يقولُ أهلُ الجنةِ إذا دخلوها : ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ فهذا يدلُّ على أنهمْ كان يصيبُهم في الدنيا الحزنُ ، كما يصيبهُم سائرُ المصائبِ التي تجري عليهم بغيرِ اختيارِهم . فإذا حلَّ الحُزْنُ وليس للنفسِ فيه حيلةٌ ، وليس لها في استجلابهِ سبيلٌ فهي مأجورةٌ على ما أصابها ؛ لأنه نوْعٌ من المصائبِ فعلى العبدِ أنْ يدافعه إذا نزل بالأدعيةِ والوسائلِ الحيَّةِ الكفيلةِ بطردِه .

 

وأما قوله تعالى : ﴿ وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ .

 

فلمْ يُمدحوا على نفسِ الحزنِ ، وإنما مُدحوا على ما دلَّ عليه الحزنُ من قوةِ إيمانِهم ، حيث تخلَّفوا عن رسولِ اللهِ r لِعجزِهم عن النفقِة ففيهِ تعريضٌ بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلُّفهم ، بل غَبَطُوا نفوسهم به .

 

فإن الحُزْن المحمود إنْ حُمِدَ بَعْدَ وقوعِهِ – وهو ما كان سببُه فوْت طاعةٍ ، أو وقوع معصيةٍ – فإنَّ حُزْنَ العبدِ على تقصيرِهِ مع ربّه وتفريطِهِ في جَنْبِ مولاه : دليلٌ على حياتهِ وقبُولِهِ الهدايةَ ، ونورِهِ واهتدائِهِ .

 

أما قولُه r في الحديثِ الصحيحِ : (( ما يصيبُ المؤمن من همِّ ولا نصب ولا حزن ، إلاَّ كفر اللهُ به من خطاياه )) . فهذا يدلُّ على أنه مصيبةٌ من اللهِ يصيبُ بها العبْدَ ، يكفّرُ بها من سيئاتِه ، ولا يدلُّ على أنه مقامٌ ينبغي طلبُه واستيطانُه ، فليس للعبدِ أن يطلب الحزن ويستدعيّه ويظنُّ أنهُ عبادة ، وأنَّ الشارعَ حثَّ عليه ، أو أَمَرَ به ، أو رَضِيَهُ ، أو شَرَعَهُ لعبادِهِ ، ولو كان هذا صحيحاً لَقَطَعَ r حياتَهُ بالأحزانِ ، وصَرَفَهَا بالهمومِ ، كيفَ وصدرُه مُنْشَرِحٌ ووجهُه باسمٌ ، وقلبُه راضٍ ، وهو متواصلُ السرورِ ؟! .

 

وأما حديثُ هنْدِ بن أبي هالة ، في صفةِ النبيّ r : (( أنهُ كان متواصلَ الأحزانِ )) ، فحديثٌ لا يثبُتُ ، وفي إسنادهِ من لا يُعرَفُ ، وهو خلاف واقعِهِ وحالِهِ r .

 

وكيف يكونُ متواصلَ الأحزانِ ، وقد صانَهُ اللهُ عن الحزنِ على الدنيا وأسبابها ، ونهاهُ عن الحزنِ على الكفارِ ، وغَفَرَ له ما تقدَّم من ذنبِهِ وما تأخَّرَ ؟! فمن أين يأتيهِ الحزنُ ؟! وكيفَ يَصلُ إلى قلبِهِ ؟! ومن أي الطرق ينسابُ إلى فؤادِهِ ، وهو معمورٌ بالذِّكرِ ، ريّانٌ بالاستقامةِ ، فيّاضٌ بالهداية الربانيةِ ، مطمئنٌّ بوعدِ اللهِ ، راض بأحكامه وأفعالِه ؟! بلْ كانَ دائمَ البِشْرِ ، ضحوك السِّنِّ ، كما في صفته (( الضَّحوك القتَّال )) ، صلوات الله وسلامه عليه . ومَن غاصَ في أخبارهِ ودقَّقَ في أعماقِ حياتِهِ واسْتَجْلَى أيامَهْ ، عَرَفَ أنه جاءَ لإزهاقِ الباطلِ ودحْضِ القَلَقِ والهمِّ والغمِّ والحُزْنِ ، وتحريرِ النفوسِ من استعمارِ الشُّبَهِ والشكوكِ والشِّرْكِ والحَيْرَةِ والاضطرابِ ، وإنقاذهِا من مهاوي المهالكِ ، فللهِ كمْ له على البَشَرِ من مِنَنٍ .

 

وأما الخبرُ المرويُّ : (( إن الله يحبُّ كلَّ قلب حزين )) فلا يُعرف إسنادُه ، ولا مَن رواه ولا نعلم صِحَّتَهُ . وكيف يكونُ هذا صحيحاً ، وقد جاءت الملَّةُ بخلافِهِ ، والشرعُ بنقْضِهِ؟! وعلى تقديرِ صحتِهِ : فالحزنُ مصيبةٌ من المصائبِ التي يبتلي اللهُ بها عَبْدَهُ ، فإذا ابتُلي به العبدُ فصيرَ عليهِ أحبَّ صبرَه على بلائِهِ . والذين مدحوا الحزنَ وأشادوا بهِ ونسبُوا إلى الشرعِ الأمر به وتحبيذهُ ؛ أخطؤوا في ذلك ؛ بلْ ما ورد إلاَّ النهيَّ عنهُ ، والأمرُ بضدِّه ، من الفرحِ برحمةِ اللهِ تعالى وبفضلهِ ، وبما أنزل على رسولِ اللهِ r ، والسرورِ بهدايةِ اللهِ ، والانشراحِ بهذا الخيرِ المباركِ الذي نَزَلَ من السماءِ على قلوبِ الأولياءِ .

 

وأما الأثَرُ الآخَرُ : (( إذا أحبَّ اللهُ عبداً نَصَبَ في قلْبِهِ نائحةً ، وإذا أبغض عبداً جعلَ في قلبه مِزْماراً )) . فأثر إسرائيليٌّ ، قيل : إنه في التوراة . وله معنى صحيحٌ ، فإنَّ المؤمنَ حزينٌ على ذنوبهِ ، والفاجرُ لاهٍ لاعبٌ ، مترنِّمٌ فَرِحٌ . وإذا حصَلَ كسْرٌ في قلوبِ الصالحينَ فإنما هو لمِا فاتَهُم من الخيراتِ ، وقصّروا فيهِ من بلوغِ الدرجاتِ ، وارتكبوهُ من السيئاتِ . خلاف حزنِ العُصاةِ ، فإنَّهُ على فوتِ الدنيا وشهواتِها وملاذِّها ومكاسبِها وأغراضِها ، فهمُّهُمْ وغمُّهُمْ وحزنُهُمْ لها ، ومن أجلِها وفي سبيلِها .

 

وأما قولُه تعالى عن نبيِّهِ (( إسرائيل )) : ﴿ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ : فهو إخبارٌ عن حالهِ بمصابِه بفقْدِ وِلدِهِ وحبيبِهِ ، وأنه ابتلاهُ بذلك كما ابتلاهُ بالتفريق بينَهُ وبينَهُ . ومجرد الإخبارِ عن الشيءِ لا يدلُّ على استحسانِ ه ولا على الأمرِ به ولا الحثِّ عليه ، بل أمرنا أنْ نستعيذَ باللهِ من الحزنِ ، فإنَّهُ سَحَابَةٌ ثقيلةٌ وليل جاِثمٌ طويلٌ ، وعائقٌ في طريقِ السائرِ إلى معالي الأمور .

 

وأجمع أربابُ السلوكِ على أنَّ حُزْنَ الدنيا غَيْرُ محمودٍ ، إلا أبا عثمان الجبريَّ ، فإنهُ قالَ : الحزنُ بكلِّ وجهٍ فضيلةٌ ، وزيادةٌ للمؤمنِ ، ما لمْ يكنْ بسببِ معصيةٍ . قال : لأنهُ إن لم يُوجبْ تخصيصاً ، فإنه يُوجبُ تمحيصاً .

 

فيُقالُ : لا رَيْبَ أنهُ محنةٌ وبلاءٌ من اللهِ ، بمنزلةِ المرضِ والهمِّ والغَمِّ وأمَّا أنهُ من منازِلِ الطريقِ ، فلا .

 

فعليكَ بجلب السرورِ واستدعاءِ الانشراحِ ، وسؤالِ اللهِ الحياةَ الطيبةَ والعيشةَ الرضيَّة ، وصفاءَ الخاطرِ ، ورحابة البالِ ، فإنها نِعمٌ عاجلة ، حتى قالَ بعضُهم : إنَّ في الدنيا جنةً ، منْ لم يدخلها لم يدخلْ جنةَ الآخرةِ .

 

والله المسؤولُ وَحْدَهْ أن يشرح صدورَنا بنورِ اليقينِ ، ويهدي قلوبنا لصراطِهِ المستقيمِ ، وأنْ ينقذنا من حياةِ الضَّنْكِ والضيِّقِ .

 

منقوووووول

من كتاب لاتحزن الشيخ عايض القرني

 

(10) تعليقات


أضف تعليقا

اضيف في 04 سبتمبر, 2009 04:23 ص , من قبل hanounawamoutafahima
من المغرب

تحية عطرة اخي الراقي ابو الطيب


ومع كل هذا نحزن ونشعر به ليس بايدينا انه شعور يجتاحنا لسبب من الاسباب لكن الحمد لله نعود للفرح لان لنا امل ونتسلح به ضد الحزن والاحزان
سلمت الايادي والفكر الجميل لك مودتي واحترامي

حنونة ومتفهمة


اضيف في 04 سبتمبر, 2009 11:58 ص , من قبل 1967s
من تونس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخي الفاضل ابو الطيب

مــاشــاءالله...

موضوع قيم ويجب الوقوف عليه...

احتوى على نصائح قيمة لكل انسان حزين..

فالبعض عندما يحزن أو يصيبه شيء يفقد الأمل...

اللهم اني اعوذ بك من الهم و الحزن

و أعوذ بك من العجز و الكسل

وأعوذ بك من الجبن و البخل

و أعوذ من غلبة الدين و قهر الرجال.

تحياتي وتقديري

اختك / عليسة


اضيف في 04 سبتمبر, 2009 11:59 ص , من قبل 1967s
من تونس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخي الفاضل ابو الطيب

مــاشــاءالله...

موضوع قيم ويجب الوقوف عليه...

احتوى على نصائح قيمة لكل انسان حزين..

فالبعض عندما يحزن أو يصيبه شيء يفقد الأمل...

اللهم اني اعوذ بك من الهم و الحزن

و أعوذ بك من العجز و الكسل

وأعوذ بك من الجبن و البخل

و أعوذ من غلبة الدين و قهر الرجال.

تحياتي وتقديري

اختك / عليسة


اضيف في 04 سبتمبر, 2009 11:59 ص , من قبل 1967s
من تونس

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

اخي الفاضل ابو الطيب

مــاشــاءالله...

موضوع قيم ويجب الوقوف عليه...

احتوى على نصائح قيمة لكل انسان حزين..

فالبعض عندما يحزن أو يصيبه شيء يفقد الأمل...

اللهم اني اعوذ بك من الهم و الحزن

و أعوذ بك من العجز و الكسل

وأعوذ بك من الجبن و البخل

و أعوذ من غلبة الدين و قهر الرجال.

تحياتي وتقديري

اختك / عليسة


اضيف في 04 سبتمبر, 2009 02:44 م , من قبل lesabahbk
من مصر

صديقى ابو الطيب

الحمد لله الذى انعم علينا بنعمة النسيان

فبها ننسى الحزن والالم

بارك الله فيك ياخى

اخوك احمد ناجى

ادعوك لجديدى


اضيف في 04 سبتمبر, 2009 06:32 م , من قبل zaetawi
من فلسطين

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

تقبل الله طاعتكم

اخي العزيز: ابا الطيب

بارك الله فيكم على هذا الطرح الجيد
ونفع به كل من قرأ وجعله في ميزان حسناتكم

وتقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصلة الارحام

وتقبل تقديري واحترامي

==ابوجاسم==


اضيف في 04 سبتمبر, 2009 08:07 م , من قبل turkii122

هو ليس مطلوبا شرع ولكنه يخفف الالام احياننا
ويبقى ذلك خارج عن ارادة الانسان
الا ان كان مؤمنا ايماننا قويا ليس كايماننا
تحيات
تركي الساير


اضيف في 04 سبتمبر, 2009 11:16 م , من قبل omhamza
من سوريا

الجار الطيب أبو الطيب
الحزن ليس مطلوباً ولكن الدنيا جبلت على نكد وكدر فهي إن أضحكت قليلاً أبكت كثيرا
ولكن يبقى دائماً إيماننا بالله وقضائه وقدره شافياً لنا من الحزن
اللهم لا تحعل الدنيا أكبر همنا
وأبعد عنا وعنكم الحزن والهم
دمت بأطيب الطيب
أم حمزة


اضيف في 05 سبتمبر, 2009 01:02 ص , من قبل bogos199
من المغرب

السلام عليكم ورحمة الله

جزاكم الله خيرا على المقال المميز

قال رسول الله صل الله عليه وسلم في مضمون الحديث ما معناه ان العين لتدمع وان القلب ليحزن ...الى اخر الحديث الشريف

كل هدا جيد لكن هللا أزيل مزمار الشيطان داك
تقبلوا مروري

http://bogos199.jeeran.com/archive/2009/9/935894.html
تلاوات نادرة من القرآن الكريم في انتظار مروركم العطر


اضيف في 26 سبتمبر, 2009 01:49 ص , من قبل houda2009
من سوريا

الحزن هو عنصر رئيسي لاحد مشاعر الانسان الطبيعي
و لولا الحزن ما شعرنا بلذة الفرح و نشوة الابتسامة
الله و رسوله لا يمنعان الحزن ..و لكن الاسراف فيه و التخبط الى القاع في غياهبه
اذا كان الله تعالى لا يمنع عنا الخطأ لانه يحب توبة التائب حين يعود الى ربه

مقالة جميلة و عائض القرني معروف بتفاؤله دوما
احييك اخي الكريم على اختيارك




أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية